أنه الصباح الثاني في عيد الأضحى المبارك وميدان لبنان الشهير يبدو خاليا من الحياه الا من سيارات تمر بسرعة وكأننا تتشفى من ذلك الميدان الذي عادة مايكون مزدحما .ولسعات من برد خفيف تلفح وجهي فأحس بنشوة الفرح( فالنهارده عيد ) .
رفعت يدي ملوحا لتاكسي وما أكثرها في تلك المنطقه فيصفها المصريون أنها كالرز في المهندسين
رميت بجسدي في الكرسي الأمامي في سيارة كعلبة صلصه .
- كل سنة وحضرتك طيب ياباشا! قالها سائق التاكسي بلذة نشوان فلم أستغربها فقد عودنا سائقي التاكسي على أكثر من ذلك .
- كل سنة وأنت طيب . موقف عبود لوسمحت .
- فين العزم ان شاء الله ؟
- فاقوس .
- يااااااه الشرقااااويه أقدع ناس . لعلمك… دول حبايبي كلهم شرقاويه .
- قصدك عزموا القطر .
فضحك بهستيريه عجيبه . ماتخدش فبالك ددي علامة الكرم ..
فأسترسل في الحديث وكان يتحدث بصوت عالي وكأنه يحدث من في الأدوار العليا وبدون توقف أصبح يتحدث في مواضيع شتى وبتقاطع عجيب
- لو سمحت يأسطه .. الم تلاحظ أنك تسير بسرعة عاليه ؟
- الأعمار بيدالله ياباشا .. هو في حد بيموت قبل يومه
- بس يابني ( تعمدت في هذه الكلمة التورع ) ربنا بيقول ((ولاتلقوا بأيديكم الى التهلكه))
- صدق الله العظيم .
وأنطلق كأن لم يسمع شئ , واصبح يسير بسرعه عالية ويمر بين السيارات بطريقة عجيبه ,
نظرت الى وجهه فاذا بعينين حمراوين وشفتين متهدله ولعاب تصعب السيطره عليه فأيقنت انني وقعت في ورطة . فألتصقت بالكرسي وأصبحت في عربة تتأرجح وسائق يضحك ويتحدث في كل شي , فقلت في نفسي عله قضى ليله اول ايام العيد منتشيا , توقفت امامه سياره فضغط على فرامل التاكسي بشده حتى التصق وجهي بالزجاج الامامي .
- أذكر الله ياسطه !!
- ماتخفشي ياباشا ! كله بأمرالله …… أنت تقول ياساتر ومش حيطولك حاجه …
- يابني (تورع آخر) ياتسوق ياتفتي ؟
فكأنني ضغطت على زر الضحك لديه !! فأنفجر ضاحكا
دقائق بسيطه فإذا أنا أمام موقف عبود
- يكفي هنا يأسطه !
- أبدا والله لاممكن , لازم أوصلك لحد العربيه
- يكفي يابني !
دخل بسيارته حتى أوقفني أمام كشك التذاكر
- اتفضل ياباشا !
نفحته العشرة جنيهات وكأنني أشتري سلامتي بها.
أنطلق بنا اتوبيس شرق الدلتا مغادرا محطة عبود وسالكا الطريق الزراعيه المتوجهه الى الزقازيق (عاصمة محافظة الشرقيه) , عرج بنا الاتوبيس عبر طرق تخترق الاراضي الزراعية الجميله في ساعات مبكره من شهر ديسمبر لاتزال بقايا (شبّورتها) تربض على مساحاتها الخضراء في مناطق تعتبر من اجمل المناطق في الوطن العربي , فقلت في نفسي ليت السياح الخليجيين لايكتفوا بالقاهره وزحامها وضوضائها وسحابتها السوداء , فهنا الارض جميله وأهلها أجمل منها خلقا وفضلا وكرما .
أخترقت بنا الحافله مدينة الزقازيق وهي أكبر مدن المحافظه وأجملها وفيها جامعة الزقازيق الشهيره , وهناك أفضل أطباء علاجات الكبد في مصر ,
أبناء هذه المحافظه مشهورين بالكرم , واذا أردت مداعبة أحدهم فقل : أنتم اللي عزمتم القطر(القطار) ؟
وهذه من باب الدعابه , وحقيقتها أنه في أحد المرات التي يمر فيها القطار تعطل قرب إحدى البلدات في وقت المغرب وفي شهر رمضان فنزل الركاب ولم يكن بعضهم يحمل افطار أو يتوقع أن يقع في هذا . فخرج أبناء القريه بكل مايجدوا في بيوتهم من أكل لافطار الركاب , فأفطر الركاب من كرم أبناء الشرقيه وغدت قولا يقال (اللي عزموا القطر)
تجاوزت حافلتنا مدينة الزقازيق الى مدينة أصغر منها وتعتبر الثانيه من حيث المساحة والسكان وهي مدينة فاقوس
قبل وصولنا الى فاقوس بعشرة كيلو مترات طلبت من سائقه التوقف عند كوبري (البروم) .
ترجلت ورجل آخر كان بجانبي أحمل شنطته ويحمل هم ايصالي الى مبتغاي كل منا بطيب خاطر
كوبري البروم هذا يعتبر محطة ينزل بها الرغبون في تغيير خط السير الى القرى الواقعة على طريق يضم على جنباته عدد من القرى أو يخدمها منها : الرفاعيين , النوافعه , كفر راشد , الطرايبه وغيرها
في صدفة رائعه صاحب نزولنا في المحطة وجود زخات من المطر جاءت لتكمل سلسلة أمطار ذلك اليوم في هذه القرى
في ناصية الطريق وجدت فتاة وطفل صغير قد إنكمشا من البرد والمطر ويتقيانها بشجرة صغيره , وما ان إقتربت حتى انحنيا على بعض يهمسان لبعضهماوينظران الي .































